لماذا يجدر بالمدارس في دبي أن تركز على المهارات غير المعرفية؟

bArtboard 2chatterc3

عندما كانت ابنتي في الخامسة من عمرها، كانت تركض نحوي لتعانقني فور وصولي إلى البيت بعد العمل! وكانت تلك أسعد ذكرياتي معها. ولكنها الآن تبلغ من العمر 16 سنة وعندما أعود من العمل، فإنها لا تُبعد ناظريها عن هاتفها المتحرك لكي ترحب بمجيئي وتلقي التحية. وذلك التصرف يجرحني. إنني أفتقد ابنتي الصغيرة. وفي الفصل الماضي تراجعت درجاتها، ولا أدري كيف يمكنني مساعدتها. هذا ما أفاد به أحد الآباء

لاحظتُ خلال الشهر الماضي أن عُمَر غالبًا ما يطأطئ رأسه ويضعه على الدرج خلال الحصة، وقلما يشارك في المناقشات الصفية. وعند الساعة الواحدة ظهراً، يبدو عليه النعاس الشديد. وقد حصل على درجة 2 من 10 في الاختبار القصير الأخير. وإنني أتساءل عما إذا كان مريضاً، أم أنه فقط لا ينال قسطاً كافياً من النوم؟ ولكنني أعتقد أن ذلك يؤثر على أدائه الأكاديمي في مادتي. هذا ما قاله أحد المعلمين

قال عني أحد الأولاد في الفصل الماضي بأنني “متخلف” و”غبي”. ومنذ ذلك الحين، بدأ يدعو جميع الأولاد في الصف لينادوني بتلك الألقاب. وبعضهم يناديني فعلًا بها، أما الآخرون فيمتنعون عن الحديث معي. والمعلمة لا تلاحظ ذلك، وأنا لا يمكنني إخبارها. قلت له أن يكفّ عن ذلك، ولكن دون جدوى. أصبحت أكره الذهاب للمدرسة. كلماتٌ مؤثرة من أحد الطلبة

يعرِض لنا كل واحد من المواقف الثلاثة السابقة حالاتٍ تؤثر على جودة حياة الطلبة. إن أب الفتاة التي تبلغ من العمر ستة عشر عامًا يُقلقه حال ابنته التي لا تحدثه عند قدومه إلى المنزل، علاوة على انشغالها بهاتفها وتراجع درجاتها. ما الذي يجري على المستوى الاجتماعي والأكاديمي؟ أما المعلم، فيلاحظ أن الطالب المراهق الذي تتراجع درجاته يغفو في أثناء الحصة. هل يشير ذلك إلى وجود مشكلة صحية أو منزلية ينبغي أن نعالجها؟ وماذا عن طالب المدرسة الصغير الذي يكره الذهاب للمدرسة لأن رفاقه ينعتونه بألقاب سيئة؟ لم لا يطلب المساعدة من المعلم؟ وكيف يمكن مساعدته؟ تشَكِّل هذه المواقف أمثلة لضغوطات يمكنها أن تؤثر على جودة حياة الطلبة في المدارس الخاصة بدبي وخارجها. ونستعرض في هذا المقال أهمية تطوير المهارات غير المعرفية لدى الطلبة لمساعدتهم على تجاوز مواقف شائعة كهذه وتعزيز إحساسهم بجودة حياتهم.

أهمية المهارات غير المعرفية:  يُستخدم مصطلح “جودة حياة الطالب” لوصف الصحة العقلية والمهارات غير المعرفية مثل القدرات الشخصية والاجتماعية التي تمكِّن الطلبة من المثابرة، وتقدير الذات، والكفاءة الذاتية، والانتباه، والمرونة، والانفتاح، والتعاطف، والتسامح. وتشير الأدلة العالمية إلى أن النجاح في المدرسة والمراحل اللاحقة لا يعتمد فقط على القدرات المعرفية المرتبطة بالقراءة والكتابة والحساب والمهارات التقنية، بل وعلى هذه المهارات غير المعرفية أيضاً. وقد كان الاعتقاد السائد أن هذه المهارات “سمات” أو “عوامل شخصية” ثابتة ودائمة وموروثة. ولكن الحقيقة غير ذلك. [1]

وأظهرت الأبحاث أن جودة الحياة والمهارات غير المعرفية يمكنها أن تتغير عبر المرور بالتجارب الحياتية وتطبيق التدخلات المناسبة. وقد يمتد تأثيرها من الطفولة إلى المراهقة وما بعدها؛ حيث تؤثر على السلوكيات الصحية، والأداء الأكاديمي، والمخرجات المهنية. ومن المهم أن نشير إلى أن المهارات غير المعرفية تكون أكثر قابلية للتغيير عند التقدم في العمر من القدرات المعرفية. [2] وتتطور المهارات غير المعرفية مع مرور الوقت وتعتمد على بعضها بعضاً (مهارة تجرّ مهارة وقدرة تستجلب أخرى) ولذلك، فقد يحقق التدخل المبكر منافع ومكاسب لا يحققها التدخل المتأخر. [3] ويمكن للمدارس أن تزيد فعالية هذه الميزة الحيوية بدعم تجارب الطلبة التي تسهم في التطور الإيجابي للشخصية.

المهارات غير المعرفية والتطور الإيجابي للشخصية في المدرسة: في ضوء السيناريوهات الثلاثة التي تؤثر على جودة حياة الطالب، يمكننا طرح السؤال الآتي: كيف يمكن تعزيز التطور الإيجابي للشخصية في المدرسة؟ للعلاقات أهمية متزايدة على الطالب كلما تقدم في العمر. ولذلك، فإن التجارب ومظاهر التدخل التي تهدف إلى تعزيز جودة حياة الطالب في المرحلة الثانوية قد تتضمن إشراك الأقران والمعلمين والوالدين. وإن المنتديات المفتوحة التي تتيح الفرصة لمناقشة القضايا الاجتماعية للطلبة مع الوالدين والمعلمين يمكنها أن تُكسب الطلبة خبرة في التعبير عن أنفسهم، وتساعدهم على اكتساب المهارات الاجتماعية المهمة التي تعينهم في بناء علاقات جيدة. وتعد التدخلات التي تدعم الوعي الذاتي والتربية الصحية مهمة في المرحلة الثانوية لضمان توفُّر الوعي لدى الطلبة وشعورهم بالقدرة على الاعتناء بأنفسهم. وتعد استراتيجيات النوم الفعالة والتمارين الرياضية المنتظمة والتغذية الجيدة مهمة للتمتع بصحة جيدة، وحفظ القدرة على التركيز والتعلم الجيد في المدرسة. وفي حين أن الحملات المدرسية التي ترفض التنمر تساعد على زيادة الوعي لدى المعلمين والطلبة، فإن السبيل إلى بناء علاقات اجتماعية إيجابية يتطلب اتباع أسلوبٍ آخر أكثر صلة بالهدف المرجو، يتمثل في تدربهم على التعاطف مع بعضهم بعضاً. وستمكّن هذه الممارسات الطلبة من التفكير بأساليب مناسبة للتصرف مع بعضهم بعضاً وإظهار التعاطف والتسامح.

وقد شارك أكثر من 95,000 طالباً وطالبة في العام الثاني من المسح الشامل لجودة حياة الطلبة بدبي في أواخر عام 2018. واستلمت المدارس تقاريرها حول جودة حياة طلبتها في شهر فبراير من عام 2019. وللحصول على المزيد من المعلومات عن المسح، تفضلوا بزيارة https://www.khda.gov.ae/en/dswc.

_________________________________________________________________________________________

هل لديكم أساليب أخرى تمكِّن الطلبة من تعلم المهارات غير المعرفية؟ شاركونا أفكاركم!

[1] Heckman & Kautz. 2013, Fostering and measuring skills: Interventions that improve character and cognition.

[2] Kautz et al (2014). Fostering and Measuring Skills: Improving Cognitive and Non-Cognitive Skills to Promote Lifetime Success. OECD Education Working Papers no 110.

[3] Olsson et al., 2012. A 32-year longitudinal study of child and adolescent pathways to well-being in adulthood. J Happiness Studies

Leave a Reply